ابن قيم الجوزية

91

البدائع في علوم القرآن

المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة ، وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية ، فيرى صورها ، ويسمع الخطاب ، وكله في نفسه ليس في الخارج منه شيء . ويحلف أنه رأى وسمع ، وصدق . لكن رأى وسمع في الخارج ، أو في نفسه ؟ ويتفق ضعف التمييز ، وقلة العلم ، واستيلاء تلك المعاني على الروح ، وتجردها عن الشواغل . فهذه الوجوه الثلاثة هي وجوه الخطاب ، ومن سمّع نفسه غيرها فإنما هو غرور ، وخدع وتلبيس ، وهذا الموضع مقطع القول ، وهو من أجل المواضع لمن حققه وفهمه ، واللّه الموفق للصواب . فصل قال : « الدرجة الثانية : إلهام يقع عيانا . وعلامة صحته : أنه لا يخرق سترا ، ولا يجاوز حدا ، ولا يخطئ أبدا » . الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدرجة الأولى : أن ذلك علم شبيه بالضروري الذي لا يمكن دفعه عن القلب . وهذا معاينة ومكاشفة . فهو فوقه في الدرجة ، وأتم منه ظهورا ، ونسبته إلى القلب نسبة المرئي إلى العين ، وذكر له ثلاث علامات : إحداهما : « أنه لا يخرق سترا » أي صاحبه إذا كوشف بحال غير المستور عنه لا يخرق ستره ويكشفه ، خيرا كان أو شرا ، أو أنه لا يخرق ما ستره اللّه من نفسه عن الناس ، بل يستر نفسه ، ويستر من كوشف بحاله . الثانية : « أنه لا يجاوز حدا » يحتمل وجهين : إحداهما : أنه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي ، وتجاوز حدود اللّه ، مثل الكهان ، وأصحاب الكشف الشيطاني . الثاني : أنه لا يقع على خلاف الحدود الشرعية ، مثل أن يتحسس به على العورات التي نهى اللّه عن التجسس عليها وتتبعها ، فإذا تتبعها وقع عليها بهذا الكشف ، فهو شيطاني لا رحماني . الثالثة : أنه لا يخطئ إلا نادرا ، بخلاف الشيطان ، فإن خطأه كثير ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لابن صائد : « ما ترى ؟ » قال : أرى صادقا وكاذبا . قال : « لبّس عليك » « 1 » ، فالكشف الشيطاني لا بد أن يكذب ، ولا يستمر صدقه البتة .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2925 / 87 ) في الفتن وأشراط الساعة ، باب : « ذكر ابن صياد » ، والترمذي ( 2247 ) في الفتن ، باب : ما جاء في ذكر ابن صائد .